اخر الاخبار

قراءة نقدية لل " الذبح شوقا " .. عمار ابراهيم عزت

وكالة خبر - مقالات -


مقتبس من الورقة النقدية التي قرأتها في اتحاد الادباء " ذي قار " ، بمناسبة توقيع الديوان الثالث"الذبح شوقا " للشاعر المبدع سعد علي مهدي ، قدمه الشاعر الشفيف د. احسان العجلان الذي يتوسطنا .

الخطوة الثانية : القراءة كفعل مغامر : "عمار ابراهيم عزت "

ستتوقف قراءتي على ثيمات محدد اخلص ختاما الى محاولة تركيبية ذات معنى كلي لفضح مأزق النص كما سأبين بعد سطور، دون ادعاء الشمول والتعميم لفكرتي على مجمل الديوان .

1" مركزية الجنون وهامشية العقل

يقول الشاعر: هذا الجنون إذا تكلم وادعى @ سيقودنا نحو النهاية مسرعا

يتخذ الجنون بعدا مركزيا في تعبيره عن تيمة العشق يمثله الشاعر بركوب موجة تفضي عن طيش كتعبير لتغييب رجاحة العقل وتهميشه في لحظة عشق ما اذ يقول: ماذا نظن وقد ركبنا موجة @ضربت ضفاف الطيش كي تتوسعا

مصرحا بعد ذلك بماهية الجنون بوصفه

" وهج من العشق الجريء ممزق @ ضحكت عيون البرق حين تجمعا

حيث تنسجم صورة العشق الجريء مع الفعل الطائش، الا ان مشهد الانكسار وعدم بلوغ الغايات المرجوة لهذا الاندفاع الطائش يتجلى واضحا في لفظة "ممزق " ومصورا بالموقف الساخر لبرق من تجمع غيوم الحب من دون مطر.

تمارس بنية الاستعارة دورا فاعلا في الإيحاء دون التصريح سعيا للارتقاء بالنص الى مستوى الشاعرية التي تفصح عن جماليات النص في بعده الشكلي كما وتضمر معان سنشير لها على مستوى الخطاب ، فالعشق حكاية مشرقة تستبيح عتمة الشاعر : وحكاية للشمس بعض همومها @ ان تستبيح الليل كي يتوجعا

كما انه – العشق – فرصة لابد من اغتنامها :

يامنحة العمر البخيل وفرصة @ لو لم نحاول مسكها لن ترجعا

هناك خلف هذا التشكيل الشعري تساؤل : لماذا يتخذ الجنون بعدا مركزيا يستدعي تكراره بلفظه في نص واحد او في نصوص عديدة ؟

فعلى سبيل المثال لا الإحصاء الدقيق يقول الشاعر:

- هل يعلم الزلزال ان جنوننا @ يكفي لحجم الأرض ان تتصدعا

- تبا لهذا الشوق كيف احالنا @ بالحب ، مجنونين لم يتورعا

الورع من ماذا ؟ سأجيب لاحقا ، وأيضا

وان تركنا الامر خلف جنوننا @ لا ريب ان الشوق يذبحنا معا

وقوله في قصيدة أخرى :

آت وقد حمل الجنون حقائبي @ واراه مثل الحزن ضمن رفاقي

اما في قصيدة " يقال باني " فقوله :

يقال باني ......لمست بحبك سقف الجنون

ولم يقتصر الشاعر على الجنون بلفظه وانما اضمر الجنون في ابيات متفرقة من خلال تغييب لسلطة العقل ويظهر ذلك جليا في مضمونين :

الأول : معاكسة النمط السوي للسلوك

الثاني : النكوص ، وذلك بالعودة الى مرحلة الطفولة رغبة في تحجيم العقل والهرب من رقابة ما لتبرير الجنون او الفعل الطائش في صورة العشق وخير مثال على الشق الأول قوله :

عنوان تاريخ العلاقة بيننا @ السير عكس الريح يغدو ممتعا

وقوله في مكان اخر بالمعنى نفسه :

ونعاكس التيار في ابحارنا @ ان قيل هل تسعون ، قلنا ان سعى

اما في دلاله الشق الثاني – النكوص – فيتجسد في قوله في قصيدة " تعالي " بعبارة " قلب طفل بلا فكر "

تعالي فاني كالبراكين هيبة @ ولكن قلبي .. قلب طفل بلا فكر

وأيضا في قصيدة الذبح شوقا يصف قناعته بالحب في منطق الأطفال فيقول :

وكلانا في الحب حين نقوله @ في منطق الأطفال يبدو مقنعا

نرى ان الثنائية الضدية " العقل – الجنون " تعمل بشكل فاعل في تصنيف النص على محورين لإقامة الكشف الدلالي ، وما أؤكد عليه هنا ان الثنائيات الضدية مازالت اجراءً ناجعا وفي كل مرة في تحليل الخطاب الادبي كما يشير رولان بارت .

الصوتيم " او الثيمة المركزية الثانية " الحب كائن ورقي

ينمو الحب في نص سعد علي مهدي ككائن افتراضي لا وجود له الا ضمن فضائه الورقي، نكتشف صورته الافتراضية من خلال التناقض الذي قد ينشأ لو تعاملنا مع دلالات النص بربطها بمديات واقعية وتصور ما فاض من عشق في الديوان كتجربة حقيقة معاشة. ولدعم هذا الافتراض نحتكم مجددا الى النص يقول الشاعر في قصيدة تعالي:

تأخرت جدا في الحضور ولا أدرى @ أ يكفيك مني ما تبقى من العمر

ان لفظة الحضور تضمر غيابا غير مصرح به على سطح النص كما ويتخذ الشاعر صيغة الخطاب المباشر بقوله:" تأخرت " الذي يدل على حوار " دايلوك " بين العاشق والمعشوقة الحاضرة بعد غياب طويل حيث ما تبقى من العمر الا اقله متسائلا – الشاعر – عن إمكانية رضا او عدم رضا الحبيبة بهذا القليل، ولكن الشاعر لا يقف عند حافة انتظار جواب لسؤاله المعلق بل يتعداه الى اعلان عدم رضاه بالقليل فيقول افتراضا:

وان قلت كفى ... هل تظنين انني سأرضى ببعض الماء من ضفة النهر

ان تعليق الجواب يفضح انقطاع تواصل الحبيبة مع محبوبها الذي يلجأ الى الافتراض والتعليل والتقرير

وهنا نقول باعتماد ادلة لغوية لاحقة ان الحوار كان احادي الجانب أي حوار داخلي " مونولوج " وليس حوارا مباشرا مع طرف حاضر من بعد غياب ودليلنا نداء الشاعر للحبيبة بكلمة تعالي التي يضعظ الشاعر عليها لتفجير دلالات عاطفية وتعميق الازمة النفسية نتيجة لهذا الغياب حيث يقول :

- تعالي اذيبيني بنار .. الخ

- تعالي فاني كالبراكين ... الخ

- تعالي الى قتلي بسكين قبلة @ شهيد انا ان مت في ساحة الثغر

ويتضح مما تقدم انه لا مبرر عقلي او منطقي يبرر مناداة شخص حاضر بصيغة الرجاء والتوسل للحضور الا اذا كان المنادى في رحلة غياب وهو الأقرب دلاليا.

وبذلك يحدث تحول فهمنا للحوار من صيغة الدايلوك الى صيغة المونولوج تحولا في الخطاب الشعري من واقعة اللقاء في بعدها الحقيقي الى بعدها المجازي كمناجاة تفضي الى بعد المنال وانقطاع الامل في اللقاء الى حد ما ودليل رجاءه قوله:

وارجو من الأيام يوما يذيقني @ غراما بطعم الشهد او نشوة السكر



ان فجوة التناقض بين الحضور والغياب والدايلوك والمونولوج ينشأ عنها ما يمكن ان نسميه " مأزق النص " نتيجة لعدم قدرته على تحقيق الانسجام الدلالي للمضامين الكلية للنص الا اذا تعاملنا مع الحب ككائن ورقي متجرد من مضامينه الواقعية. انتهى 44

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صور المظاهر بواسطة diane555. يتم التشغيل بواسطة Blogger.