وكالة خبر - ذي قار -
لا يقرأ الفن والأدب بأعين الطارئين على الثقافة ولا يُحَجَّم بسلطةٍ سياسية او اجتماعية او دينية تفرض أيدولوجياتها على المشهد الثقافي ، فقد ولّى الزمن الذي تحاكم فيه الاعمال الإبداعية برؤى انطباعية تعتمد على معيارية خارجة عن فضاء العمل ومكوناته ، لذا أقول ان" أبو علّاكَة "الشخصية العراقية الأصيلة بذاكرتها الجامعة ما بين حقبتين حقبة ما قبل التغيير وما بعده – تعيش محنتين محنتها داخل العمل المسرحي وخارجه .ولدعم هذا الافتراض علينا الولوج الى تقنيات العمل المسرحي الذي اعتمد على ديكور بسيط من مكتب فوقه باقات زهور واريكتين لجلوس المراجعين مع لافتة صغيرة معلقة على خلفية المسرح تحتوي على ايقونة كتابية تتمثل بعبارة " حزب الدبة " وايقونة صورية تتضمن رمزين (الدب وقنينة الغاز "الدَبّة "كما تسمى باللغة الدارجة ) ،فضلا عن صورتين لبرلمانية شابة .
يصرح منذ بداية العمل المسرحي ان عنصر المكان هو استعلامات مكتب النائبة وان الزمان هو الزمن الحاضر وان ثيمة النص المركزية تحاكي ازمة واقع فقد معاييره فانهارت منظومته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والأخلاقية ويمكننا القول الإنسانية بشكل عام .
يتفوق العنصر الانثوي على العنصر الذكري فعدد الشخصيات الانثوية اربعة مقابل اثنين الا ان هذا التفوق لا يمنح تمايز نوعيا للأنثى كجنس مقابل الذكر بقدر ما هو تفوق عددي لم يوظف لغاية ابعد من ذلك وربما في الحد الأدنى مارس بعدا اشهاريا للترويج الى العمل من خلال انتقاء ممثلات بمواصفات شكلية تحظى بالقبول والاعجاب لدى الجمهور.
يقدم العمل شخصياته بتراتبية مألوفة حيث لا تقحم الشخصية الجديدة الى العمل الا بعد ان تستكمل الشخصية الأولى سماتها وتعالقها مع شخصيات اخرى كما وتوضح دورها داخل الفضاء المسرحي حيث يمكننا القول ان للمسرحية حكاية قدمت من خلال ست حكايات منفصلة لعينات اجتماعية متباينة حاكت بشكل غير مبالغ فيه شخصيات واقعية، وبذلك يمكننا النظر الى عالم المسرحية بعلاقاته كعالم موازٍ الى عالمنا واقصد المجتمع العراقي وارهاصاته.
تقنيا وظفت المسرحية معظم أنواع الحوار "دايلوك، مونولوج، مناجاة، حوار مباشر مع الجمهور، حوار بواسطة مكبر الصوت الذي ينقل أصوات الشخصيات خارج خشبة المسرح .. الخ " تعاضدت كل أنواع الحوارات التي احتلت بعدا جوهريا في تقديم الحدث مقارنة بالأداء التمثيلي ، فلم تعول المسرحية على الحركة وعلى الايماءات الجسدية المعبرة الا في تمفصلات معينة وغالبا ما تكون في المشاهد الكوميدية التي كسرت رتابة تلقي العمل في بعده الجاد ان لم نقل التراجيدي كونه يستعرض ازمة واقع كما اشرنا سابقا .
من الواضح لمشاهد العرض ان هناك استثمارا واضحا للايقاع والشعر الشعبي والغناء كتقنية فاعلة في رسم الحدث أولا، والإلتقاء مع ذائقة التلقي العامة فضلا عن الترفيه بغية زج المشاهد في المشاركة والاندماج مع العمل الادبي وتقدم هذه الفواصل الغنائية اما من خلال الشخصية او من خلال تسجيل صوتي معد سلفا .
اما في المستوى الدلالي:
فاننا نعلم ان لكل عمل فني رسالة ، ورسالة " أبو علاكة " هي محنة مواطن يحمل كمّا ً لا بأس به من الثوابت ، كما ويحتفظ بهوية لا يتنازل عنها رغم حاجة الى عمل وبالتالي الى مادة . حيث يعد رفضه لخلع العقال " الرمز التراثي " استجابة الى طلب البرلمانية الفاقدة للهوية القومية والوطنية ، تجسيدا حقيقيا لتلك الهوية فضلا عن زيّه العربي ، كما انه يدعم قضيته ووجوده من خلال عدة استرجاعات تعقد حالة مقارنة بين الماضي والحاضر هدفها استحضار منظومة القيم المغيبة في واقعنا المعاصر فضلا عن انتقاده الساخر لمحنة الوطن بين حقبتين " ماقبل وبعد سقوط الصنم "
اما " العلّاكَة " التي يحملها في حزامه والتي ظلت لغزا محيرا لزوجته التي وصل بها الفضول الى التبليغ عن زوجها بانه يحمل فيها حزاما ناسفا ، واتضح في نهاية المطاف ان ما يحمله هو "هاجس الوطن " ممثلا بعلم عراقي يحمله في " العلّاكة " كرمز ساهم في تحريك العمل الادبي الى خاتمته التي جمعت كل الاطياف تحت خيمة هذا العلم بوصفه غاية ووسيلة لضمان وجودنا وبقائنا، وهوية وطنية لا تقايض باي ثمن .
ان استخدام اللغة العامية ترك اثرا فاعلا على مستوى التلقي حيث تتباين انفعالات الجمهور تبعا للمواقف الدرامية من بداية العمل وحتى خاتمته، علما ان العمل عبارة عن فصل واحد بمشهد وحيد .
اما ما وراء الرسالة المعلنة على مستوى الأداء فان الصراع ينشأ من التباين الطبقي حد التضاد بين شريحتين من شرائح المجتمع وهما " طبقة السياسيين المترفة والمتمتعة بامتيازات كما في شخصية البرلمانية وأختها التي تمثل حالة الترف حد السذاجة ، ومن جهة أخرى شريحة المواطن المغيبة والمحرومة من ادنى حقوقها في وطن ثري .
وما اللافتة المعلقة " حزب الدبة " الا إشارة واضحة لنقد واضح الدلالة لأحزاب ما بعد السقوط التي اعتمدت الخطاب المضلل في اقناع الناس وايهامهم، اما الدَبّة ام الدُبّة فلهما دلالة تداولية معروفة في الوسط العراقي تستخدم بشكل شائع بمعنى " الكذب والخداع " .
ما نخلص اليه ، ان " أبو علاكة " عمل جادة انجز على شكل كوميديا ساخرة لواقع مأزوم ، يقف عند مفاصل وطنية وقومية مفصلية ذات خطاب منتج لواقع مغاير لواقعنا المرير ، اما حالة التشويه التي ابتليت به المسرحية من خلال الطارئين على المشهد الثقافي فأنها قد عكست وجها قبيحا لمدينة الناصرية عاصمة الثقافة وينبوع المبدعين ، كما انعكس على النص المسرحي وذلك من خلال تلك الإضافات الحوارية التي تطرقت الى حالة التشوية وأيضا من خلال ربط العمل بأبعاد مقحمة على النص مثل قضية سبايكر والشهداء وغيرها ، وأصنف هذا الهجوم من خلال تصنيف الفئات التي هاجمت العمل .
الأول: السياسي الذي يخشى جرأة عمل كهذا كما ويعده فضح صارخ لممارسة السياسيين اللا أخلاقية .
الثاني : الإعلامي وهو البوق الذي يسوق ذلك الخطاب النشاز بصوت نشاز على الواقع الثقافي .
وكلاهما يمرر خطابه من خلال الاتكاء على خطابات وطنية وقومية مضللة اقصت العمل المسرحي وضللت الشارع مما أدى الى عزوف عن التواصل مع العمل وتواجد القليل في صالة العرض .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق