اخر الاخبار

نزيف النهر .. قصة قصيره .. بقلم : عباس عجاج البدري

نزيف النهر







سرد – قصة قصيرة


المؤلف : عباس عجاج البدري
تدقيق واخراج : د . خالد خوير الشمس
ذي قار - 2014






قال الراوي :

(( ..... وقد بكت السماء دما عبيطا , حين سقط فارس من صهوة الجواد مذبوحا من القفا , يشخص ببصره نحو غد بعيد , وصدى صوته يشق عباب الزمان يصدح : " ألا من ناصر ينصرنا " .
بالقرب .. بينما دماؤه تروي عطش النهر , وتشبع شبق التاريخ كان القوم سكارى , ثملوا .. رقصوا .. طربوا .. رفعوا الرؤوس على الرماح ... سبوا النساء ورحلوا .....
رحلوا كغربان سود تتكاثر كالجراد يعيثون بالأرض فسادا على أمل نصر مزعوم )) .

حيث كان الحشد حول الراوي يغسلون بدموعهم دَرَن َالخذلان , سمعوا صوتا مذهولا مرتعدا آت من قرب النهر , يمزق الصمت : "النهر ينزف .. النهر ينزف"
ركض الجميع نحوه , يتبعهم الراوي غير مبال بينما صاحب الصوت المذهول يجوب المدينة راكضا بلا توقف .
طفق المذهول يجوب المدينة , يطرق الأبواب , يصرخ بالوجوه كي يوقفوا نزيف النهر .
أهل المدينة أصابتهم خيفة , أوصدوا الأبواب والنوافذ بوجه المذهول خشية أن يلج صوته داخل الديار , الكل يشيح بوجهه ويولي فرارا ؛
إمرأة عجوز قالت بعد أن التفتت يمينا وشمالا : " لا حياة لمن تنادي – يا ولدي " .
قالتها وأدارت ظهرها تضحك بهستيريا بعد أن غمزته بطرفها مشيرة الى المسجد .
.. المسجد ؟!!!
.. نعم .. كيف نسيت المسجد ؟!! فلابد أن الناس يقيمون الآن صلاة الخوف , وربما الإستسقاء , فقد جدبت الأرض منذ أن منعت السماء بركاتها قبل بضع سنين حين حط الغرباء هنا , قيل إنّ أحدهم بصق في رافد النهر, فأجدبت الأرض مذ ذلك الحين ؛
لقد انسلوا بين الناس كأفعى اندست بين الأحراش نسمع فحيحها ولا نراها , وكانوا يتكاثرون كالجراد .
صوت المؤذن يصدح : الله أكبر ... الله أكبر
                          الله أكبر ... الله أكبر
الصلاة ؟؟ نعم , لن يوقف نزيف النهر سوى التضرع والصلاة فلربما غضب السماء قد وقع على الأرض ,نعم .. علينا الاعتراف بذنوبنا ونسأل الله العفو .
يهرول ليلحق بالصف الأول بالقرب من امام الجماعة  .. يصل الى المسجد , وجد الناس قد اصطفوا للصلاة وأحدهم ينادي : " ساوا الصفوف رحمكم الله " .

صرخ المذهول : " أي صفوف ؟؟!! , أي صلاة ؟؟!! انظروا ماحل بكم ! أيديكم تقطر دما , لقد توضأتم من ماء النهر النازف , وضوؤكم باطل , صلاتكم باطلة , أي إله تعبدون؟؟ ".
بهت القوم .. الناس تتمتم .. همهمة وجدل  .. أبصارهم تشخص نحو إمام الجماعة تستجدي شيء ما يضع النقاط على الحروف ويقطع جدل القوم .
صاح الإمام : " من هذا ؟! بيننا مرتد ؟؟
( انسلت السيوف تتسابق نحو رأس المذهول )
وعادوا الى الصلاة تقبع خلفهم إرَب َجسدٍ تيممت سيوفهم بدمه .
...........
عند النهر .. صعق الحشد حين رأوا النهر يرتدي ثوبا أحمر ,
على مد النظر امتزجت حمرة النهر بظلمة داكنة حجبت أشعة الشمس لتضفي لونا كئيبا بغبرة اجتاحت المكان , وترسم لوحة تخلو من ملامح الحياة  ؛
صاح أحدهم : " النهر يلفظ الأجساد " .
صاح آخر : " النهر يتقيأ الأشلاء " .
من وسط النهر المنحني خجلا اشرأبت أعناق تملأ العيون بهاءً وضياءً , على سجية قدرها تحاكي طقوس الشهادة ونبوءة الولادة , كقناديل توغلت بأرواح زكية , تترصع صدورها بنياشين الشهادة ومنح الإله , مسافرة في طلاسم ملكوت قدسي ؛
كوهج نداء يعانق بهجة روح , بتراتيل يمتد صداها الى الإنجيل , والتلمود , والزبور ؛
تشرأب كزهو المنتصرين داحضة وساوس الوهن , ورياح الأفول , وأبواق النفاق , حيث طفت الأجساد على سطح النهر , تملأ المكان , جزعت العيش تحت الماء وخرجت تستنشق النفس الأخير .
................
زاغ الراوي ببصره إلى حيث تساقطت هذا الصباح أسراب حمائم بيضاء , كانت في رحلة سلام تنشد الأمان محلقة في سماء صافية , مغنية أنشودة الوطن طربا :
هل أراااك .. هل أراك ؟ .... سالما منعما , وغانما مكرما ؟
هل أراااك .. في عُلاك ؟ تبلغ السمااك... تبلغ السمااااك ؟ *

.. دمعة عارية تباغت الراوي على حين غفلة , منسلة وسط حزن لم يسعفه أن أشاح بوجهه عن الحشد حين استذكر تلك الغيمة السوداء من الغربان تعتلتي السرب , تنعق بلا هواده , تزعزع أمان السلام , وتمزق صفاء اللحن الجميل , تباغت الحمائم غيلة وغدرا , تزج مخالبها في أعناق الحمائم الوديعة , وتقص جدائلها الفتية , منتشية بعذابها , تستفز منها مواطن الألم , وتصمخ نشيدها بنغم مسخ , تنتشي بعبير الفاجعة , وتزهو بصلب الحمائم في السماء كأنها نذور قرابين حان قطافها .

·       * مقطع من النشيد الوطني العراقي



الفوضى تعم المكان ..
الحمائم ترفرف بأجنحتها الصغيرة .
السماء تمطر دما لتروي عطش النهر .

(مازال ذلك الصدى في الأزل القديم يؤرق مضاجع الغربان , فتستشيط غيضا , وتشحذ مخالبها المسمومة أينما وجد السلام وأينما كان الأمان ) .

 على الطرف الآخر من النهر  ..
" أم جواد " تحتضن حفيدها الصغير تناغيه حيث تداعب شعره الناعم : " دِلِلّوه .. دِلِلِّوه .. الولد نام .. الولد نام .. دِلِلّوه يالولد يابني .. " , *  وحيث يغالبه النعاس مودعا أهزوجة الجدة بابتسامة بريئة ترتسم على شفاه وردية حالما بلعبة العيد القريب يأتي بها أبوه فارشا ذراعيه ليضمه على صدره , ويحمله على أكتافه , ويلعب معه بها , ويهرول إلى أصحابه ليفاخر أقرانه بهدية الأب للعيد الجديد .
تنحنى الجدة على جبين حفيدها تلثمه بقبلة دافئة تستذكر بها تلك القبلة قبل عامين حين دخل " جواد " يمسك بيد عروسه , يحيط به أقرباؤه وأصدقاؤه يتغنون بأهازيج العرس , تعلو شفتيه ابتسامة خجولة حين يدنو لرأسها مُقَبلا قُبلة الوفاء لسني العطاء , تلك السنوات التي رافقته كل لحظاتها منذ صراخاته الأولى حين يفتح عينيه لأول مرة , وحين تحمله على صدرها لترضعه , وحين تلبسه ملابس المدرسة في سنته الأولى , حين يمرض , وحين يلعب , وحين ,,, وحين ,,,,,
وهاهو اليوم ببدلة العرس البهية يحتضنها كما كان مذ كان طفلا صغيرا يقبل جبينها عرفانا وإجلالا ؛
وبينما " أم جواد " تداعب شعر صغيرها غلبتها غفوة , ما إن أغمضت عينيها , داهمتها صورة " جواد " يعد حقيبته للرحيل , فعند الصباح سيلتحق بركب كوكبة الشباب اللذين نذروا أنفسهم لبناء وطن , حملوا على عاتقهم إشراقة شمس الصباح في وطن جديد , وطن الحماة والبناة , وطن الحضارة والأمجاد , وطن الكرامة والعيش الرغيد .. تودعه لدى الباب : ( الله وياك يمه .. أنت الوطن يمه .. ياشمعة عيوني , وذخر شيباتي ) .
... على شرفة الدار بالقرب منها , شيء ما يسقط , يكسر غفوتها , يوجسها خيفه , تشعر بشيء يقبض قلبها ويحرق صدرها ؛
تهرول نحو الشرفة ........
السماء تكتسي حمرة تمتزج بغبرة خانقة ,,
سموم يهب يحف المكان ,,
يضمحل الهواء تغلبه رائحة نتنة ,,

·         * اهزوجة عراقية اشتهرت لدى اهل الجنوب
تتوسط الشرفة حمامة بيضاء يطوِّق جيدها خضاب أحمر يقطر دما , ويرسم نهرا , أرخت جناحيها على أرض الشرفة , وعينها شاخصة نحو طفل صغير يرقد بسلام .. يحلم بلعبة العيد .
..............

قال الراوي :
وقف حادي الركب يحدي :
" أبكي اللذين أذاقوني مودتهم             حتى اذا أيقظوني للهوى رقدوا " *

.. الراوي يغادر المدينة المنكوبة مسافرا إلى زمن جديد يحكي بأن الفواجع تسري مدى الدهر كسحابة كلما اختنقت عبراتها أجهشت بلا هوادة لتستمد الأمم منها وجدان العاطفة في مقاومة الظلم مستلهمة الإباء والعزة من براكين الغضب لشلالات الدم المقدس للشهداء والثوار , فمهما قست قلوب العدا ومهما اشتدت سطوة الطغاة ستنبثق من لب الفاجعة إرادة الحياة ترفض الذل والهوان .

تلك الوجوه المشرقات كأنها ال                 أقمار تسبح في غدير دماء
رقدوا ومامرت بهم سنة الكرى                 وغفـت جفونهـم بلا إغفـاء
خضبوا وماشابوا وكان خضابهم                 بدم من الأوداج لا الحناء
ومغسليـن ولا ميـاه لهم سوى                  عبرات ثكلى حـرة الأحشاء
أصواتهــا بحـت فهن نوائــح                     يندبــن قتـلاهــن بالإيمـاء **


·         * للشاعر بشار بن برد
·         * * قصيدة للشاعر صالح الكواز الحلي










نزيف النهر .. قصة قصيرة
بقلم : عباس عجاج البدري




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صور المظاهر بواسطة diane555. يتم التشغيل بواسطة Blogger.