اخر الاخبار

قصص عربية بلا حدود .. بقلم احمد طنطاوي

وكالة خبر - أدب -

القصة القصيرة جدًا هى فن الدهشة , و الطرق الهامس على أبواب القلب و الذهن عن طريق استثارة التأمل الفلسفى الشاعرى الجميل , و السعى نحو قوس قزح التماسًا لبهاءألوانه , و عزفًا لأوتار قيثارة سومر الموغلة فى الِقدم . ... تلتقى القصة القصيرة جدًا و القصيدة إذًًا فى مسعاهما النهائى كونهما تعبران عن موسيقى الضياء و التوغل داخل المعنى الإنسانى العميق , بيد أن القصة القصيرة جدًا هى _ بشكل أكثر إلحاحًا _تطمح الى تفجير الوعى و السعى للاكتشاف سواء عن طريق المغامرات الذهنية المتمثلة فى الأفكار و المشاعر العارضة و التى تنبثق فجأة و تطرأ كلمحات صوفية نادرة , أو تلك المنغمسة فى عمق الحياة العادية عن طريق النبش فى زوايا الحياة العادية المهملة أو المسكوت عنها , أو تلك التى نمر عليها سراعًا لا نأبه بها. قطار خال من ركابه يسير و يقف على محطات خالية و مع ذلك يسير منتظمًا حثيثًا الى محطة مجهولة فكرة كابوسية عبرت عنهافى نص قديم " محاسن الجاك " ** أشبـــاح " ويمضى القطار، ولا راكبين ، يمر سريعا عابرًا المحطات ، يقف ، ينطلق خاويًا ، وحين جن الليل ، برزت الأنياب ، راكبوه يخافون الضوء ." أى معنىً يمكن أن يطرق به هذا المشهد وعى يتنبَّه أو لا وعى متوارٍ خلف جُدر التهيب الوجودى للتطلع و النظر و التقصى ؟ ...توسُّل المعنى الخبىء بتثبيت الإنسان أمام العالم و أمام نفسه بمنظور جديدٍ ... راكبو قطار يذكروننا بـ "الرجال الجوف" فى قصيدة " إليوت " الشهيرة القصة القصيرة جدًا تؤصل تعاملنا و نظرتنا للزمن و تؤسس لوعى أدبى جديد أجزاؤه المتحوصلة . تُنتشل من الامتداد الزمنى _كما يظهر فى الرواية مثلا _ لتلقى عليها الضوء الكثيف , فتمثل تعاملا فيزيائيًا خاصًا به يراقب التجليات الروحية كما تظهر فى السلوك العادى , لذلك فالتكعيبية و السيريالية و التعبيرية هى مذاهب يمكن أن تُلاحظ بوضوح فى بنائيات هذا النوع الأدبى بالغ الدهشة تسرى خلاله ملونة السماء بغيمات مبهرات

.......... من العادى أن نسمع هذه المصطلحات تطرق أسماعنا بإلحاح تدقيقًا و فى مجال الدراسة و النقد فى ميدان القصة القصيرة جدًا التماهى .. التناص .. الأسطرة .. الشعرية .. السخرية و الميكروسردية .. الترميز أما الاعتيادية[ الحياتية] فيُنظر اليها فى القصة القصيرة جدًا على سطحٍ آخر موازٍ .. سطح يستثير التساؤل و الدهشة , اعتيادية وضِعت على مائدة التشريح والبحث... إنها كالتغريب البريختى تعيد تشكيل الواقع بمعنى جديد لم نكن نلحظه من قبل؟ كانت القصة القصيرة جدًا أحد إرهاصات العصر الحديث المحتشد بالتساؤل و الحيرة و التسارع و الآليه و التشيوء.. اغتراب و تشيؤ, و تسارع يواكب ما يعترى هذا العصر من لهاثٍ و قلق , و من الصعب جدًا الإحاطة بهذا النوع الأدبى على كثافته و ذريته , فهو يتضمن الغنائية و الألوان و الشاعرية و السخرية و الحكمة _ المُستقاة لا المباشرة الفجة _ واجواؤه هى كعين طائر تنبذ التفاصيل ولا تغرق فى ظلمات الترهل باحثة عن اللب و الجوهر , و تسبح فى فضاءات لا نهائية عبر جماليات و فنيات خاصة , و إيقاعه الداخلى الخاص . يمكننا إذًا أن نعقد وشائج قوية بين القصة القصيرة جدًا و فلسفة الزن Zen فيما يتصل بالتأمل و الاكتشاف ... فهذه الفلسفة " تهتم بالرائى , و ليس الرؤية , فإن كانت الذات هى محور الملفات الحلزونية , و ليست أبدا موضعة objectified أو مو قعنة factualized ً فإنها تبقى خارجا .. و تريد منا " الزن " أن نمسك بها بيدينا العاريتين , فتتحقق الاستنارة و الإشراق... الاستنارة الداخلية التي تأتي في لمحة خاطفة " فيما يقول د. ت سوزوكى أستاذ الفلسفة البوذية , وهو ما تحاوله أيضًا القصة القصيرة جدًا حيث أساسها تكوين القارىء الجديد .. القارىء الفاعل المشارك , ( القارىء\ المؤلف الثانى) للنص ليتجسَّد التحقق الجمالى الذى تدعو اليه نظرية القراءة و التقبل الحديثة أو علم التلقى عبر استكناه الدلالات و التفاعل و التأويل من خلال ملء فراغات النص التى لا تُنبىء بكل شىء بل تشير من بعيد كأنجم تومض , و تدعو للتدخل , و تظل المغامرة المدهشة _ تبادلا _ بين القارىء و النص عبر آليات الانغلاق و الانفتاح لكليهما كما رأى " امبرتو إيكو" , وكما بيَّن" رولان بارت " فى التعامل مع النص لذةً و اشتهاءً

أصبح القارىء أكثر إبداعاً و مشاركة فى النص _بشكل أكثر وضوحًا مما يحدث فى الرواية و المسرحية , و حتى القصة القصيرة _ و ربما نصل الى حد القول أنه أصبح المؤلف الحقيقى , و ما الكاتب إلا هذا الذى يُلقى اليه بقطعة خشبية فى البحر المتلاطم عله يصل بها الى جزيرته المنشودة كما ذكرنا , لأن آفاق الانفتاح و التأويل فى الجزء المقَتَطع و تلك الشريحة بالغة الكثافة تصيب بالدهشة و الدوار و تدعو للتساؤل النشِط . و لئن كانت القصة القصيرة قبلها قد سلطت الضوء على الموقف المُختَزَل , و قامت بتثبيته , فإن الميكروسكوبية و الميكروسردية هنا قد بلغت أقصاها تعاملا . للقصة القصيرة جدًا إيقاع داخلى هامس , و موسيقى خفية كما فى قصيدة النثر.. يستشعرهما القارىء فى تنظيم مجريات الشعور عنده , و قد يكون الأمر صعبًا , لكنه بالتأكيد نوع من التفاعل الذى يصعب شرح آلياته لأنه يتصل بما يشابه رحلة الصوفى فى معراج الكشف و التجلى , و أداته الحدس كدرب معرفى لا ينتهى و لا تحده تخوم .. فليس فى القصة القصيرة جدًا مناداة للمنطق الجامد , أو اتكاء على الحساب العقلى الصارم , لأن المجال ها هنا هو التعامل مع إحداثيات الروح التى يستحيل الإمساك بها .. هى تُرى فقط و تُبلَّغ , و تدعو فى الوقت نفسه للتنامى الحدسى سعيًا للاستنارة و التبصر .. مصدر الخلاص هو الاستنارة الداخلية التي تأتي فجأة في لمحة خاطفة , و تبزع كحلمٍ خلاب ..تقاطعات كونية برَّاقة تتماس مع الإلهامات المتشظية المتطايرة. أُطـِّرت الدهشة كلوحة غريبة و أصبح التعامل مع السماء و الفضاءأكثر توسلا و رحابة, ثمة عالم سماوى غامض يحتوى ما لا يحصى من الدلالات و الأخيلة الروحانية المدهش, ولاشك أن أمام القصة القصيرة جدًا الكثير من التجارب الفاعلة لتؤسس مكانها اللائق على قواعد صارمة راسخة عن طريق تدعيم التشكيل الفنى للنص و ايجاد لغة خاصة للتعامل مع اللاوعى_ و حتى مع الوعى نفسه _ بطرائق أكثر ملامسة و تنقيبًا فالهلع ..و رعب الرؤية و الحقيقة .. ازالة التهيب و الخوف من سبر المجهول هى نقاط شعورية و تدريب من نوع خاص للاقتحام و التوغل عبر الكوة الصغيرة لرؤية ما وراء السد أو الجبل. ستظل الأصوات المبهمة الآتية من خلف الجبل مؤرقة لنا , و ها نحن نحاول أن نقتحمها و نمسكها بأيدينا دونما وجل.

الزمن فى القصة القصيرة جدا لا يُشترط أن يكون هو الزمن الفيزيائى بشكله المألوف , انه زمن خاص _ كعالم الحُلم _ لا يتقيد بهذا النظام بل يثبت , أو يقفز و يعود.. التفاف دائم و دوائر جدلية تنفى و تنفى النفى . هذه القصص تحتاج قراءة خاصة و قارىء جديد ليس تقليديًا .. قارىء بريختى متفاعل , لكنه تفاعل يتصل بالروح بغية الوصول لنقطة انسجام روحى .. ثمة قصة كانت تتكلم عن حجرتين تفصل بينهما مرآة مزدوجة لكل حجرة وجهها , فى الحجرة الأولى يقف الزوج ذات ليلة و فى الثانية تقف الزوجة , كلاهما ينظر لوجه المرآة الخاصة به ..فى الصباح كانت الشرطة تتفحص مكان الجريمة فى الحجرتين التى كُسرت المرآة الفاصلة بينهما يمكننا أن نتخيل _جثث شمعية مسجاة .... لنحاول ... ليلة توقف عندها الزمن تمتلىء بالأسرار الغامضة التى كُشفت فجأة لتُخلف الهلاك .. كانت المرآة هى المُفضية الفاضحة__ عبر نظرات كل منهما للآخر [تلك المستترة و المتخيَّلة ] _ كل وجه مقابل سطح مصقول , لكنها النظرة .. لكن النظرة أيضا ملتبسة و مراوغة . قسَّمت القصة المشهدالى نصفين _ على المستوى الرأسى _ دعمها ذلك العمود الجدارى الحاسم الذى يحمل مرآة شيطانية , سنملأ نحن فراغات النص بكل المفردات الممكنة تلقائيًا, كعناصر الحركة و السكون , و الإضاءه _ على المستوى الأفقى _ , و سنقتحم رغمًا عنا البعد الرابع كأننا فى الغرفتين معًا و فى نفس اللحظة .. كل هذه المدلولات, تدعِّم فى هارمونية إزدواجية الموت و الحياة عبر تجسيد صارخ مذهل لشخصين توقفت بهما الحياة هنا فى مشهد كارثى .. أداة مكاشفة و نزع للأقنعة و مواجهة _ و لو أن المكان غرفة واحدة و مواجهة مباشرة لفُقد المغزى و نُسف نسفًا , لكنها هنا الوحدات ( المنفصلة \ المتحدة ) موت أراه شبقيًا يؤكد ثنائية الحياة و الفناء , أو "الوجود و العدم, و كل التأويلات متاحة .. الخيانة المهانة الضعف الانكسارالشهوة المكسورة و الشبق الأعمى التسلط الحقد الدفين و المحرمات التى يحملها زورق الماضى الرمادى الغامض الى آخر تلك المعانى المستباحة .

هذا نموذج و النموذج الآخريتمثل فى قصة لآمنة بشير الحسن بعنوان " الثقب " " بذات الثقب يتسلل.. تستمع عيناه لشيء ما.. تتلفت يمنة،،ثم يمنة... لا يجد ما لا يبحث عنه... يعدو على بساط الضوء،، باتجاه العتمة.. ما بين ساقيه و عيناه... ربع خال...بعثرته المفاجأة " ها هو بُعد خامس للفكرة.. بعد يمزق الستر فى صخب كاشفًا عن وميض.. ثلاثية الحكمة و الفضول و الإشراق .. فلنتمعن , لا خطوط فاصلة بين الموت و الحب و الحقيقة , و الشهوة النارية تقبع فى سكون عند تخوم الروح .. ها هنا ألق و ألم و عذاب , و نداء أبدى مكلوم... الجسد وعاء , و سؤال حائر يشاكس الحقيقة كى تبين , إشراقات تُحيل من الاعتيادى الى المتعالى فى نص شديد العمق باستدعاء " التوليد السقراطى " استخراجًا للمعرفة من داخلنا باعتبارها أصليه , لكنها مخزونة غير بادية , تعلوها الأتربة , و يجب فقط إزالتها , فتبين بالتدريج , و تتكشف و نكتشف _ نحن من داخلنا_ معرفتنا المستترة هذا ولوج إذًا دون استئذان لمجاهل أرواحنا , أو أنها من زاوية أخرى _ و بتناول فلسفى_ تلميح لميتافيزيقية التلصص و التحديق و محاولة كسر حاجز ما هو خفى من الأسرار و المسكوت عنه على كل المستويات السيكولوجية و الذهنية على حد سواء عبر المرايا و الجدران و الثقوب .. هذا ً حُلم يمثِّل لوحة تكعيبيبةغريبة و هو نموذج تطبيقى للتناول و القراءة .

يمكننا أن نرى النص وفق تأويلات عدة و اتكاءات مختلفة تستند الى نظريات التحليل الفرويدى و آليات الحُلم و الترميز و المنحى الإيروتيكى كالعودة للرحم و الاشتهاء ... الى آخره نحن إذًا فى الحقيقة أمام عالمين كلاهما نعيشه .. أحدهما ظاهر متعب بنظامه و قسوته المنضبطة المقيِِدة, و الآخر داخلنا .. متوارٍِ و خبىء و خجِل و حر فى نفس الوقت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحُلم هو المكافىء الرمزى لعالم نحياه وفق أطر و تحديدات و قواعد , و منطق خاص به , عالم حر تموج فيه آلاف و آلاف و آلاف من الرغبات و المخاوف و الذكريات و الأمانى , و التوحش و الريبة , و لأن مفرداته تلك مبعثرة غير مرتبة تعمها الفوضى و يشملها الاضطراب و متداخلة , لذا يأتى الحُلم أيضاً وفق منطقه هو المبعثر الفوضوى تتكسر القيم المنطقية ( الواقعية ).. و تنمحى قواعد هذا الواقع التى ننظمها نحن , أو تُنظم لنا , و ينطلق داخلنا فى علاقات غير منظمة يتم فيها تجميع المتناقضات بعشوائية _ و ربما ببراءة أو وحشية .. أو كلاهما معًا و فى نفس الوقت , فنصبح بإزاء عالم من التشوش و الارتباك كما بدا هنا . و هذا الأمر أراه هامًا جدًا فيما يتعلق بالقصة القصيرة جدًا على وجه الإجمال , باعتبارها حلم متصل و دائم مقسم الى وحدات متناهية الصغر فى بيان "آندريه بريتون " _ سنة 1924 _ زعيم الحركة السيريالية ذكر فى تعريفها أنها: "التلقائية الفنية النفسية المجردة و التي تمكننا من التعبير إما عن طريق الكتابة أو بأي طريقة اخرى .. و هي العمل الحقيقي للفكرة ، السيريالية هى كتابة و املاء الفكرة بعيدًا عن سيطرة العقل و بعيدًا عن أي استغراق خيالي و جمالي " و لذلك فقد انتشرت السيريالية شاملة الفنون المرئية و الأدب و الأفلام و الموسيقى , و إن كانت قد ظهرت بشكل واضح و صارخ فى مجال الرسم ." تعتمد السريالية إذًا على تحرير المخيلة , و إطلاقها من إسار العقل و الواقع و المنطق . أعتقد أن القصة القصيرة جدًا شكل حداثى يردد مع " رامبو " أن ( اختراعات المجهول تطالب بأشكال جديدة ) يمكن أن تتعامل مع الحلم فى حال تثبيته " أو على الإبقاء على تلك اللحظات السحرية التى هى ما قبل النوم _ مباشرة أى حالة التأرجح بين النوم و اليقظة _ " و التى تحل فيها محل الحواس الخمس خمسون ألف حاسة غيرها غريبة عن البشرية " كما قال إدجار الآن بو . فهل تحتاج القصة القصيرة جدا بيانًا يدشِّن انطلاقاتها و يحدد توجهاتها كما فعلت السيريالية و بحثها المستميت ( الدؤوب ) فيما وراء العالم المرئى ؟ ) أحمد طنطاوى )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صور المظاهر بواسطة diane555. يتم التشغيل بواسطة Blogger.