قراءة : داود الشويلي
الرثاء غرض مهم من اغراض الشعر منذ العصر الجاهلي حتى وقتنا الحاضر، لان الحزن واحد من المشاعر الانسانية العظيمة التي تفجر المكبوت في النفس الانسانية.
ورثاء النفس عندما يتيقن الراثي بدنو أجله, وانقطاع أمله في الحياة ، هو البكاء والحزن عليها ، وهو من افضل الرثاء ، لان الراثي هو نفسه المرثي ، حيث يصور حاله وحال من يخلفه بعد مماته بافضل واصدق شعور وابلغ عاطفة ، لان العاطفة في الرثاء تكون اصدق واعمق .
وقد انتبه الى ذلك الشاعر الكبير المعرِّي ،حيث فاضل بين الحزن وبين الفرح ، كعاطفتين انسانيتين ، فقال:
إِنَّ حُزْنًا فِي سَاعَةِ الحُزْنِ أَضْعَا فُ سُرُورٍ فِي سَاعَةِ المِيلاَدِ
وقد حفل الشعر العربي بمثل هذا الرثاء منذ العصر الجاهلي الى يومنا هذا ، فقد رثى انفسهم شعراء من مثل :
الشاعر امرؤ القيس ، الذي قال قبل موته:
لَقدْ دَمَعتْ عَيْنَايَ فِي القَرِّ والقَيْظِ ... وهلْ تدمعُ العَينانِ إِلاَّ مِن الْغيظِ
فلَّمَا رَأيتُ الشَّرَ ليسَ بِبَارِحٍ ............دَعَوتُ لِنَفْسِي عِندَ ذَلكَ بِالْفيظِ
والشاعر طرفة بن العبد الذي يرثي نفسه قبل ان يقتله والي البحرين ، إذ قال:
ألا اعتزليني اليوم خولة أو غُضِّي .... فقد نزلتْ حدباءُ مُحكمة القبضِ
أزالتْ فؤادي عن مقر مكانهِ ...وأضحى جَناحي اليومَ ليسَ بِذي نهضِ
وقد كنتُ جلدًا في الحياة مُدَرَّئًا ....وقد كنتُ لبَّاس الرجال على البُغضِ
وإني لحلوٌ للخليلِ وإنني .............لمُرٌّ لذي الأضغانِ أُبدي لهُ بُغضي
ولا تَعْدِليني إنْ هَلكتُ بعاجزٍ .....مِنَ النَّاس مَنقوضَ المَريرة والنقضِ
والشاعر عبد يغوث رثي نفسه قبل موته ، اذ قال لاعدائه بني تميم: إنكم قاتلي ولا بُدّ, فدعوني أذمُّ أصحابي وأنوح على نفسي, فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا, فعقد لهم أن لا يفعل. فأطلقوا لسانه وأمهلوه حتى قال قصيدته المشهورة الرائعة:
ألا لا تَلوماني كَفى اللَومَ ما بِيا ...وَما لَكُما في اللَومِ خَيرٌ وَلا لِيا
أَلَم تَعلَما أَنَّ المَلامَةَ نَفعُها .........قَليل وَما لَومي أَخي مِن شمالِيا
فَيا راكِباً إِمّا عَرَضتَ فَبَلَّغَن .......نَدامايَ مِن نَجرانَ أَن لا تَلاقِيا
والشاعر مالك بن الريب الذي يقول في قصيدة يرثي بها نفسه:
تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ ... سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا
وأشقرَ محبوكاً يجرُّ عِنانه ..........إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا
ولكنْ بأطرف (السُّمَيْنَةِ) نسوةٌ ............. عزيزٌ عليهنَّ العشيةَ ما بيا
صريعٌ على أيدي الرجال بقفزة ...... يُسّوُّون لحدي حيث حُمَّ قضائيا
والشاعر يزيد بن حذَّاق الذي رثى نفسه فقال:
هَلْ لِلْفَتَى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن رَاقِي ....أمْ هَل لهُ مِن حِمام الموتِ مِن وَاقِي
قدْ رجَّلونِي ومَا بالشَّعر مِن شَعَثٍ .............وألْبَسُونِي ثِيابًا غيرُ أخْلاقِ
وطيَّبُوني وقَالوا أيُّما رَجُلٍ ..................وأدْرَجُونِي كَأني طَيُّ مِخْرَاقِ
وأرْسَلُوا فِتيةً مِن خَيْرِهم حَسَبًا .........ليُسنِدوا في ضَرِيحِ القَبْر أطْبَاقِي
وقسَّمُوا المَال وارفضَّت عوائدُهُم ............وقَال قَائِلُهُم مَات ابْنُ حَذَّاقِ
هوِّنْ عَليكَ ولا تُولع بإشفاقٍ .................... فإِنَّما مَالُنا لِلْوَارثِ البَاقِي
والشاعر أبو فراس الحمداني، الذي توجَّه إلى ابنته برثاء نفسه، فقال:
أَبُنَيَّتِي لاَ تَجْزَعِي ......... كُلُّ الأَنَامِ إِلَى ذَهَابْ
أَبُنَيَّتِي صَبْرًا جَمِي .... لاً لِلْجَلِيلِ مِنَ المُصَابْ
قُولِي إِذَا نَادَيْتِنِي ..... وَعَيِيتِ عَنْ رَدِّ الْجَوَابْ
زَيْنُ الشَّبَابِ أَبُو فِرَا ....... سٍ لَمْ يُمَتَّعْ بِالشَّبَابْ
والشاعر جرير الذي رثى نفسه حين رثى خصمه الفرزدق ، ومما قال:
لتبكِ عليه الأنس والجن إذ ثـوي ........ فتي مُضرٍ في كل غـربٍ ومشـرقِ
فتيً عاش يبني المجد تسعيـن حجـةً ... وكان إلي الخيرات والمجـد يرتقـي
فما مات حتي لـم يُخلـف وراءه ....... بحيـة وادٍ صولـةً غيـر مصعـقِ
والشاعر زيد الخيل يرثي نفسه قبل موته بعد ان اشتدت به الحمى ، فأنشأ يقول:
أمرتحلٌ صحبي المشارق غُدوةً*****وأُتركُ في بيتٍ بفردة منجدِ
سقى الله مابين القفيل وطابةً******فمَا دُونَ أرمام فما فوق منشدِ
هنالكَ لو أنِّي مَرِضتُ لعَادَنِي****عوائد من لم يشفِ مِنهُنَّ مجهدِ
فليت اللواتي عُدنني لم يعدنني****وليت اللواتي غِبْنَ عني عُوَّدي
والشاعر لبيد بن ربيعة يرثي نفسه عندما حضرته الوفاةُ, وكانت عنده ابنتاه, قال يخاطبهما:
تمنَّى ابنتايَ أنْ يعيشَ أبوهُمَا****وهل أنا إلا مِن ربيعةَ أو مُضَرْ
ونائحــتانَ تندبانَ بِعَاقلٍ**********أخا ثقةٍ لا عينَ منهُ وَلا أَثَرْ
ومن المعاصرين من الشعراء العرب ،الدكتورمصطفى السباعي،و الشاعر السعودي محمد حسن فقي، اللذين رثيا انفسهم قبل الممات.
***
ان عنوان هذه الدراسة يتطلب سعة في المكان وفي الازمان بحيث تدرس الظاهرة من كل جوانبها ، الا اننا في هذه الدراسة سنأخذ نماذج من قصائد الشعراء المعاصرين لندرسها نقديا ليس من باب التقييم والتقويم وانما من باب الفحص الوصفي.
حفل الشعر المعاصر في العراق برثاء الشعراء لانفسهم ، ولذلك اسباب منها :
* السبب الذي ورد في قصيدة الشاعر رشيد مجيد المولود في مدينة الناصريه عام 1922، رثى نفسه في قصيدة بعد ان وجد الاصدقاء والاعزاء يتناهبهم الموت الواحد بعد الاخر ، وكان يرثيهم بقصائده ،وعندما وجد نفسه وحيدا بعد ان رحل اصدقائه ، انتبه لنفسه ، وتساءل : من سيرثيه بعد موته ؟ عندها تيقن انه سوف لن يرثى ، فرثى نفسه بقصيدته (كان بالامس) بتاريخ 12 / 4 / 1995 والتي صدرها بقوله(عندما يحس الشاعر بنهايته ، عليه ان يؤبن نفسه) يقول في القصيدة :
من سيبكيك في غــــــــد يا رشيد يــــــــــــــوم يحدو بك الفناء الاكيدُ
عندما يرحـــــــــــل النهار وتبدو وحشة الليــــــــــل والمسوخ السود
وتدب الهوام فـــــــــــــــي مستقر اطبق الطين فـــــــــــــــوقه والدود
واراني ، ولا ارى غـــــــير شلو غيبته عـــــــــــــــــن الحياة اللحود
من سيبكي الذي بكى مـــــن تناؤا ثم اغــــــــــــــفى وما وفاه القصيد
هجروه، انتهى، نسوا كــــل شيء الخليل الذي نأى لا يــــــــــــــــعود
كان بالامس ، وانطوى كـل شيء عمره000 والجفاف00 والتسهيد
فلمــــــــــــن تهرق الدموع ويشدو وتر الشعر ، والمــــــــــراد بعيد ؟
انها ســـــــنة الحياة 00 ستهوى بالقدامـــــــــــــــــى ليستقر الجديد
شاعر مات وانتهى ، ثـــــم ماذا ؟ كلنا ننتهي غــــــــــدا 000 او نبيد
فلمـــــــــن يكتب الرثاء ، ويزرى بالقوافــــــــــــــــي ويستباح النشيد
آه مـــــــــا اثقل الحياة 00 اذا ما لفظت عـــــــــــــمرها لديها العهود
فليكن آخـــــر المطاف سكون تتعرى بصمته يا "رشـــــــــــــــــيد"
القصيدة لا تحتاج الى تفسير او تأويل ، انها مفتوحة امام المتلقي الذي سيجد فيها نفسه ، كما وجد الشاعر " رشيد " نفسه المرثي .
***
وللسبب نفسه يرثي الشاعر " رياض عباس العصمي " صديقه الدكتور فيصل عبد عودة وهو مازال في كامل صحته في قصيدته (رثاء مؤجل ) ، ويتساءل : من يخبره انه عندما يموت سيحصل على رثاء بعض الناس في هذا الزمن الذي كثر الموتى فيه ، حيث اصبح الموت بالمجان :
((لن اكتب فيك رثاءا بعد أن تموت
فمن يضمن لي مثلا
أنني أعيش بعدك عمرا
يكفي لكتابة المراثي
ايها الجرح الذي تنفس عميقا
اودعتك رثاء مؤجل
غني به ذات يوم
عندما تعزف مزامبر
جثتي !!!)).
***
* حب الوطن يجعل الشاعر يرثى نفسه لانه يخاف عليه من الالم الذي يوجع قلب الشاعر ، فيصرخ عاليا (ساطبق الان اوراقي على قلمي ) ، فهذا الشاعر عبدالرزاق عبد الواحد ينعي نفسه ، فيقول:
خوفا على قلبك المطعون من المي ....ساطبق الان اوراقي على قلمي
نشرت فيك حياتي كلها علما ............الان هبني يدا اطوي بها علمي
يا ما حلمت بموت فيك يحملني ...........به ضجيج من الانوار والظلم
اهلي وصحبي واشعاري منثرة ............على الجنازة اصواتا بلا كلم
الا عراق تناديني وها انذا ........اصحو بانأى بقاع الارض من حلمي
فابصر الناس لا اهلي ولا لغتي ...........وابصر الروح فيها ثلم منثلم
اموت فيكم ولو مقطوعة رئتي ............يا لائمي في العراقيين لا تلم
***
* في الكثير من الاحيان تشكل العلاقة بين الاباء والبنين المحور الذي تدور حوله القصيدة ، فيتساءل الشاعر : هل هذه العلاقة ستفضي الى ان يرث الابناء اباءهم ، بحيث يحملوا عنه بعد موته العبء الذي كان يثقل كاهله ، ام لا ؟
الشاعر سامي مهدي يجيب عن ذلك في قصيدة (الآباء والبنون ) ، فيتحدث عن هذه العلاقة التي تربط بين الاباء والابناء بعد الموت، وفعل الابناء بتراث الاباء وبكل ما خلفوه في الحياة ، حيث يزدرون بهذا التراث ويتركوه حتى يمحوه الزمن :
((لم تعد في البيوت لنا غرفٌ أو متاعٌ ،
ولا صور في الجدار
وروائحنا بُدّلت بسواها
وأطيافُنا زُجرت
واستخفَّ الصغارْ
بنا ، وبأشكالنا
ثم ألقوا بأشيائنا في القمامة
قبل انقضاء النهارْ .
وها نحن في الحفرِ السود صرعى
وأرواحنا تتخبّط في ظلمات الشوارعِ
لا مستقرَّ لها في مكانٍ
وليس لها وجهة للفرارْ .
أترانا فعلنا كما يفعلونْ ؟
أترانا قَتلنا كما يقتلونْ ؟
منذ سبعةِ آلافِ عامٍ ودائرةُ القتلِ دوّارةٌ
والبنونْ
يفتكون بآبائهم مرة بعد أخرى
وآباؤهم يمَّحونْ
أهو إرثٌ فيورثُ ؟
أم لعبةٌ ؟
أم جنونْ ؟)).
***
* فيما طول عمر الانسان ( والشاعر خاصة ) يكون دافعا مهما في ان يرثي الشاعر نفسه ، لانه يجد ان كل شيء فيه قد انطفأ ، فلم يبق له شيء في الحياة.
الشاعر شاكر السماوي ( شاعر عراقي يكتب بالفصحى وبالعامية العراقية ، ولد عام 1936 في محافظة الديوانية في العراق وتوفي في السويد 2014) يقول في قصيدة عامية له ، حيث يذهب هو الى الموت:
(( هله ياموت..اجيتك لاتهم رجليك بالجيّه..)).
ويرثي نفسه في اكثر من قصيدة عامية، يقول في قصيدة له:
((يا عيد ميلاد الكبر
ريتك فلا جيت بساع
طفيت بعيوني الشمس
و طشيت فوكاها الكاع )).
فهو في هذه الابيات يخاطب عيد ميلاده الذي حل عليه في كبره ، الا انه اعماه ، وقبره تحت الارض بحيث اصبح هو تحت الارض .
وفي قصيدة اخرى باللغة الفصحى ، يقول :
((صلى على ظله, و آنداح في مداه
كما الصدى في غيهب... ظلامه ينداح
و ودع الزمان من عمره ممتطيا صداه
بصمتة أخيرة... سورها سديمه المهتاج)).
فيما يقول في قصيدة اخرى ان الحياة بالنسبة له هي ( حلم ) :
(( ما قبضت يمناه من رحلة,
ظن على مسارها حصاد,
سوى وداع يلامس الوداع,
. و آهة مطفأة... بصمتها الممتد في غياهب الفجاج
لا تذرفوا الدمع...على أعتاب حلم قد مضى رجراج,
فإنه قد غاب في أقداره السراب,
كي يكمل السؤال بالجواب,
و يعلن الغياب في عواصف الغياب:
وجها بلا وجه...
ظلا بلا ظل...
غفوا بلا غفو...
حلما بلا حلم ...
و مطلقا يلفه مطلق... قد أحكم الرتاج.)).
***
* وتبقى حيرة الانسان امام الموت دافعا لقول شعر الرثاء ، لان في الموت سر غامض.
الشاعر " عبد الهادي عباس " يتساءل عمن يكتب حياة الشعراء وهم يجدون انفسهم بعد الموت وقد امسك لسانهم عن قول أي شيء:
(( رحم الله الشعر
من يكتبنا...اذ يتلعثم بعض الموتى
والمغزل مرتبك المعنى.....
من....؟؟)).
***
واذا كان الشعراء القدامى قد رثوا انفسهم للاسباب التي ذكروها ، ففي هذا الاستعراض القصير ، وقفنا على بعض الشعراء المعاصرين الذين رثوا انفسهم وهم على قيد الحياة للاسباب التي ذكرناها ايضا ، وهذا يدل على ان الرثاء ليس معناه ان ترثي الشاعر الاخرين ، فاصبح قول الشعر فيه من الاعمال الروتينية التي يقوم بها الشاعر ، فغابت عنه الصور المبتكرة التي تنبثق من مخيلة متجددة ، عامرة بالصور الحديثة المبتكرة الجميلة رغم انها صور رثاء ،الا انها متحركة ، وثابة تنبض بالحياة .
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق