
النص :
شرنقة
أتعثر خطواتي بين ديار غربتهم , أرتطم بسنين خلت , حتى إذا أوشكت أن أنزع أقنعتي هالني شامخا شاهد قبري .
القاص : عباس عجاج - العراق -
الناقد : منذر الغزالي - سوريا -
القراءة :
"شرنقة"... هجرة الخارج إلى الداخل.
لن أطيل الكلام في دراسة التعيين الجنسي للنص, وأكتفي بما قاله الأساتذة الذين سبقوني, فهو نص ينتمي إلى القصة القصيرة جدا, بعنوانه: الكلمة النكرة, الحاملة للدلالات, وفي جمله القصيرة, وبتكثيفه الشديد, وأخيرا: بقفبته المصادمة, والمفتوحة على التأويلات, والباعثة على الأسئلة.
المستوى الدلالي للنص:
١- العنوان: شرنقة. الشرنقة هي الغلاق الشفاف الذي يحيط باليرقة, يفصلها عن الوسط المحيط, لتكمل نموها, وتخرج للدنيا حشرة كاملة. وفي المستوى الرمزي, هي الحجاب الذي يفصل ما بداخله عن الخارج. إذن نستطيع أن نقول - في المستوى الرمزي- شرنقة العقل, وشرنقة الجوارح والجسد... وشرنقة الروح, كما عند الصوفيين.
نحن إذن, إزاء نص صوفي كبير, رغم كلماته المحدودة المعدودة...ولنبدأ التحليل.
التجربة الصوفية, في جوهرها, هي إدماج ببين الذات, والوجود؛ لكن هذا الإدماج ليس قائما في الحضور, بل في الغياب, لأن الاندماج الذي يجاهد الصوفي من أجل تأسيسه, يؤدي به, في آخر المطاف, إلى (الفناء).
(العارف) يجاهد ليصل إلى رؤية الذات, بالخروج من العالم (العيني) إلى العالم (الشهودي)..."أتعثر خطواتي بين ديار غربتهم". فالراوي- البطل, في النص, يطل من بين (حجبه) إلى العالم المحسوس, عالم البشر المادي, الذي هجره, فأصبح هذا العالم غريبا عنه, فهو يتحسس خطواته, في عالم الناس الغريب عنه.
"أرتطم بسنين خلت". تصدمه ذكرياته القديمة عن حياته السابقة, كأنها تدق على رأسه, وينكر تلك السنين, بعد أن جرب (لذة) تصوقه, لأن التصوف قرار (جواني) تتخذه الذات لدى استيعابها لحقيقةالعيش, أو بسبب نفورها من المادة،, وشعوره بأن المحسوسات عديمة القيمة... لهذا يرتطم رأسه بسنيه القائتة, حين كان , كالآخرين, يغرق في لذة وهمية تسمى الحياة المادية.
"حتى إذا أوشكت أن أنزع أقنعتي, هالني شامخا شاهد قبري"...حين فكر ,للحظة, أن يخرق حجبه, ويعود إلى تلك الحياة المادية, شعر أنه يموت, بدل أن يحيا. فالتصوف يبدأ من الشعور بأن الخارج أو المحسوس, خاو, وفقير إلى الحد المدقع.والحياة الحقيقية , في نظر المتصوف, هي حالة (التجلي) التي وصل إليها, بعد أن قطع شوطا في المعاناة في حالة (التخلي), وحالة (التحلي). والتخلي, في لغة أهل التصوق, هي مجاهدة النغس للتخلي عن شهواتها, ورغباتها.
أما التحلي, فهو مجاهدة أخرى تكتسب فيها النفس الصفات النبيلة التي تليق بالإله, حين يصل الصوفي إلى حالة التجلي,.."وقال لي: لايكون إلي المنتهى, حتى تراني من وراء كل شيء"...كما صرح النفري.
فالحياة الحقيقية, في نظر الصوفي, هي حياة التجلي. والهجرة إلى العالمالجواني, عالم الشهود. ولنسترجغ قول ابن عربي: "...فعين صورة ما تجلى, من قبل المتجلي, فهو المتجلي, والمتجلى له"
فلا وجود للحرية, أبدا, خارج هذه البرهة الجليلة, برهة رفض المادة, والرتبة الخارجية الزائفة, أي النزوح من الظاهر إلى الباطن.
للنه هذه القراءة بقول النفري: " الوقفة تعتق من رتق الدنيا، والأخرة,,". وقوله أيضا: " وقال لي: قع في الظلمة, فوقعت في الظلمة, فأبصرت نفسي".
بقي أ ن أشير إلى عدم توفيق الكاتب في مفردته "أقنعتي". فالابتعاد, عند الصوفية,هي الحقيقة, وما عداه حجب, وأقنعة زائفة.شكرا لكاتبالنص على هذه البرهة من الجمال التي وهبنا إياها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق